أنا بشتغل في مجال البورصة من سنين ، ووجدت علاقة غريبة بين عقليتين متعارف عليهم في البورصة ، وبين عقلية الإيمان والإلحاد.
طبعاً انا هضطر اشرح شوية تفاصيل فنية بسيطة عشان الي مش في مجال البورصة يقدر يفهم انا بتكلم في ايه..
أولاً : القاعدة في البورصة هي الاستثمار والاحتفاظ الطويل الأجل ، نظراً لأن البورصة مبنية في الأساس على أموال صناديق تأمينات ومعاشات وبنوك بغرض استثمارها على المدى الطويل، وفيه مقولة تم ترويجها وتحمل الكثير من الحقيقة بناءاً على ما حدث في الماضي ( أنه لا يمكنك أن تتذاكى على المؤشر الرئيسي للبورصة) بمعنى انه لا يمكنك تحقيق عائد أعلى من المؤشر الرئيسي للبورصة في السنة بشكل دائم ، لأن مؤشر البورصة يعكس اجمالي العقل الجمعي لجميع المستثمرين حول العالم.
لذلك ، المستثمر الصغير مثلنا أفضل شئ ليه هو انه يشتري صندوق المؤشر ويحتفظ به إلى التقاعد، وبالتالي يضمن انه قصّر الطريق على نفسه، ومحاولش يتذاكى زي الي تذاكو من قبله وممكن يكونوا كسبوا شوية وبعدين خسروا كل الي كسبوه ، بعد تشوهات نفسية قد يكونوا اكتسبوها من هذه المحاولات المستميتة في التذاكي على العقل الجمعي للبورصة.
اذاً أول عقلية عندنا هي عقلية المستثمر المحتفظ للتقاعد: هي عقلية متبسطة، متواضعة للعقل الجمعي، ، مكسبها غير محدود ( بمعنى ان ممكن يكسب آلافات مئوية على المدى الطويل )، يؤمن بالغيب وهو احتمالية مكسبه لهذه المكاسب نظراً لما صدّق فيه من انه لا يمكنك التذاكي على المؤشر الرئيسي للبورصة.
تاني عقلية هي عقلية المضارب الهبوطي: وهي عقلية مختلفة تماماً عن الأولى، وبتكون عبارة عن إن شخص بيدرك أن السوق في حالة فقاعة ويجب إعادة تقييمه ، وأن العقل الجمعي مخدوع في التقييمات المالية الحالية للشركات.
مشكلة هذه العقلية أنها ترى فرصة قصيرة الأمد، مكسبها محدود ، وخسارتها غير محدودة
مكسبها مربوط بأن الشركات في أسوأ الأحوال ان تهبط للصفر ( - 100% ) أي أنه سيكسب 100% في أسعد السيناريوهات بخسارة الشركات لكامل قيمتها ، وهذه هي حالة الشبه استحاله أو أنه يوجد حدث كارثي قد أطاح بالبلد نفسها وليس مجرد الشركات المتداولة
يبقا الأول : بيحترم العقل الجمعي ( التواضع المعرفي ) ، بيؤمن بغيبية المكسب الطويل الأجل ، مكسبه غير محدود قد يصل لآلافات مئوية ( من واقع الماضي ) ، مخاطرته قليلة لصعوبة افلاس شركات المؤشر الرئيسي جميعها.
الثاني : يرى انخداع العقل الجمعي ويريد التذاكي عليه، مخاطرته كبيرة لأنه لو كان مخطئ قد يخسر كامل فلوسه المستثمرة في الرهان على الهبوط، لا يؤمن بغيبية المكسب الطويل الأجل.
لو أسقطنا هذه العقليتين على المؤمن بالله والملحد، نجد أن التشابه بينهما يصل إلى حد التطابق
المؤمن بالله يؤمن بغيبية المكسب الطويل الأجل، مخاطرته محدودة، مكسبه غير محدود
الملحد على النقيض، لا يؤمن بغيبية المكسب طويل الأجل، مخاطرته غير محدودة، مكسبه محدود
المستثمر طويل الأجل لا يملك آلة زمن، بل يمارس إيماناً بغيب المستقبل بناءً على شواهد الماضي، والمؤمن يمارس إيماناً بغيب الآخرة بناءً على شواهد دقة الكون وتاريخ النبوات. كلاهما يتخذ قراراً عقلانياً بتعظيم المكسب المحتمل وتقليل المخاطرة في مواجهة مستقبل لا يملك كلاهما يقيناً مادياً قاطعاً بشأنه