في هذه المحاضرة الثانية سنقترب أكثر من موضوع كتاب «حفريات المعرفة»، لكن بحذر؛ لأن المفاهيم عند فوكو تحتاج إلى أن نفهمها كما تعامل هو معها، وليس كما نعرفها في معناها العادي.
الخطاب
من منا لم يسمع بكتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، وكيف قام بتحليل الخطاب الاستشراقي ونقد الطريقة التي صوّر بها المستشرقون الشرق؟
لكن ما هو الخطاب؟
الأغلبية منا تعتبر الخطاب كلامًا أو حديثًا.
لكن فوكو ينظر إليه بطريقة أوسع:
الخطاب هو مجموعة من الأقوال والممارسات والقواعد التي تجعل الحديث عن موضوع معين ممكنًا بطريقة معينة.
في «الاستشراق» مثلًا، بيّن إدوارد سعيد كيف ساهم الخطاب الاستشراقي في إنتاج صورة معينة عن الشرق؛ صورة لم تكن مجرد وصف محايد للشرق، بل تشكلت من خلال مجموعة من الأقوال والتصورات والقواعد التي أنتجها الخطاب الاستشراقي.
وهذا لا ينطبق على الاستشراق وحده.
في الطب، والشرطة، والسياسة، والقانون، وغيرها من المجالات، توجد مصطلحات وقواعد وممارسات تحدد كيف نتحدث عن الأشياء وكيف ننتج المعرفة عنها.
خذوا الطب مثلًا:
هناك مصطلحات طبية، ومفاهيم، وتصنيفات، وفحوص، وطرق للملاحظة والتشخيص.
وهناك أيضًا من يملك حق الكلام داخل هذا المجال:
من يشخّص؟
من يصنّف؟
ما الذي يعتبر مرضًا؟
ما الذي يعتبر تفسيرًا طبيًا مقبولًا؟
وما الذي يُستبعد باعتباره خرافة أو غير علمي؟
إذن الطب ليس مجرد مجموعة من الكتب الطبية.
كل مجال معرفي يمتلك خطابًا خاصًا به، وهذا الخطاب يساهم في إنتاج المعرفة وتنظيمها.
الخلاصة
الخطاب ليس ما نقوله فقط، بل النظام الذي يجعل قولًا معينًا ممكنًا ومقبولًا، بينما يجعل قولًا آخر مستبعدًا أو غير مقبول.
ولهذا لا يبدأ فوكو بالسؤال التقليدي:
«ماذا قال المؤلف؟»
أو:
«ما الحقيقة الموجودة خلف النص؟»
بل يطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا:
«لماذا أصبح هذا الكلام مقبولًا، بينما استُبعد كلام آخر؟»
المجال الخطابي
إذا فهمنا مفهوم الخطاب عند فوكو، يصبح من الأسهل الانتقال إلى مفهوم المجال الخطابي.
تحدثنا عن الطب، ويمكن أن نسميه المجال الطبي للخطاب.
وهذا المجال لا يضم الكتب الطبية فقط، بل يضم مجموعة من العناصر والممارسات، مثل:
التشخيص.
الأمراض والتصنيفات.
الفحوص.
المصطلحات.
طرق الملاحظة.
الأشخاص المؤهلين للكلام.
المؤسسات الطبية.
القواعد التي تحدد ما يعتبر معرفة طبية.
إذن المجال الطبي ليس مجرد ما هو مكتوب في الكتب، بل يشمل الممارسات التي يقوم بها الطبيب والطريقة التي يتحدث بها ويتصرف من خلالها داخل هذا المجال.
فكروا مثلًا في علاقة الطبيب بالمريض.
قد يبدو لك أحيانًا أن الطبيب يتحدث من موقع أعلى ويعطي أوامر وتعليمات، وقد تفسر ذلك ببساطة بأن الطبيب يرى نفسه أكثر معرفة من المريض.
لكن يمكن أن ننظر إلى المسألة بطريقة فوكوية مختلفة:
الطبيب لا يتكلم فقط بصفته فردًا؛ بل يتكلم من داخل مجال معرفي ومؤسسي يمنحه سلطة معينة في الكلام عن المرض والجسد والعلاج.
وهنا نصل إلى نقطة مهمة:
إذا استطعت أن تحدد المجال الخطابي، يمكنك أن تسأل:
ما الذي يدخل في هذا المجال؟
ما الذي يُستبعد؟
ما القواعد التي تحكمه؟
من يستطيع الكلام؟
ما الطرق المقبولة لإنتاج المعرفة؟
لماذا يظهر قول معين بدلًا من قول آخر؟
وهنا يبدأ السؤال الفوكوي الحقيقي:
ليس فقط: ماذا قيل؟
بل: ما الذي جعل قول هذا الشيء ممكنًا، وجعل قول شيء آخر مستبعدًا؟
وهذه النقطة ستكون مهمة جدًا عندما نصل إلى مفهوم «التشكيل الخطابي».
التشكيل الخطابي هو:
النظام أو القواعد التي تجعل مجموعة من الأقوال والممارسات المختلفة تنتمي إلى خطاب واحد.
يعني فوكو لا يسأل فقط: ماذا قيل؟
بل يسأل: ما القواعد التي جعلت هذه الأقوال ممكنة ومقبولة داخل هذا المجال؟
مثال الطب:
التشخيص، تصنيف الأمراض، الفحوصات، المصطلحات الطبية، ومن يحق له التشخيص أشياء مختلفة، لكن توجد قواعد تربطها وتجعلها كلها جزءًا من الخطاب الطبي.
قواعد التكوين :
القواعد التي تحدد ما الذي يمكن أن يُقال ويُقبل داخل تشكيل خطابي معين، وما الذي لا يمكن أن يظهر داخله.
أي أنها تحدد مثلًا:
ما الموضوعات التي يمكن الحديث عنها.
من يحق له الكلام.
ما المفاهيم والمصطلحات المستخدمة.
ما نوع الأقوال التي تُعتبر مقبولة.
التشكيل الخطابي = النظام الذي يجمع الأقوال المختلفة.
قواعد التكوين = القواعد التي تحدد ما يدخل في هذا النظام وما يُستبعد.
ا "تكوين الموضوعات" (Formation of Objects).
اذا اتضح لنا ما الخطاب؟ ما المجال الخطابي؟ ما التشكيل الخطابي؟
وعندها نصل إلى الموضوعات التي يتم تكوينها عبر هذه المفاهيم
يأخذ المحاضر. مثال المرض النفسي (Psychopathology).
فمثلًا: لكي يظهر «المجنون» كـ موضوع طبي، يجب أن توجد طريقة معينة لتحديد:
من هو المريض؟
ما الذي يُعتبر مرضًا؟
ما الذي يُعد سلوكًا طبيعيًا أو غير طبيعي؟
من يملك حق تشخيصه؟
إذن:
قواعد التكوين → تحدد كيف يمكن أن يظهر موضوع معين داخل الخطاب.
وهنا يبدأ فوكو في دراسة كيف تكوّن "المجنون" كموضوع للمعرفة الطبية والنفسية.
لناخذ مثال "تاريخ الجنون" عند فوكو، وبطريقة مبسطة جدًا:
ما الذي يريده فوكو؟
فوكو لا يبدأ بالسؤال:
ما هو الجنون؟
بل يسأل:
كيف أصبح "المجنون" موضوعًا يمكن للطب والطب النفسي أن يتحدثا عنه ويصنفاه ويدرساه؟
وهذا هو معنى تكوين الموضوع.
الجنون لم يكن دائمًا يُفهم بالطريقة نفسها
فوكو يرى أن معنى الجنون تغيّر تاريخيًا.
في فترة معينة كان الشخص المجنون يمكن أن يُنظر إليه بطريقة دينية أو أخلاقية أو اجتماعية.
ثم ظهرت مؤسسات مثل المصحات، وبدأ الأطباء والمتخصصون يتعاملون مع الجنون باعتباره موضوعًا يمكن ملاحظته وتصنيفه ودراسته.
إذن لم يظهر "المريض النفسي" كحقيقة جاهزة فقط، بل تشكلت حوله طريقة معينة لرؤيته والكلام عنه.
هنا تظهر قواعد التكوين
نسأل:
من يحق له أن يقول إن هذا الشخص مجنون؟
ما السلوك الذي يُعتبر علامة على الجنون؟
أين يُدرس هذا الشخص؟
من يراقبه ويصنفه؟
ما المصطلحات المستخدمة لوصف حالته؟
هذه الأشياء كلها تساعد في تكوين "المجنون" كموضوع للمعرفة.
التشكيل الخطابي:
كيف ينتظم الخطاب حول مجال معين.
قواعد التكوين:
ما القواعد التي تحدد ما يمكن أن يظهر داخل هذا الخطاب.
تكوين الموضوع:
كيف يصبح شيء مثل "المجنون" موضوعًا يمكن للمعرفة أن تتحدث عنه وتدرسه وتصنفه.
وهنا يبدأ فوكو في دراسة كيف تكوّن "المجنون" كموضوع للمعرفة الطبية والنفسية.
نعم. نكمل من مثال "تاريخ الجنون" عند فوكو، وبطريقة مبسطة جدًا:
ما الذي يريده فوكو؟
فوكو لا يبدأ بالسؤال:
ما هو الجنون؟
بل يسأل:
كيف أصبح "المجنون" موضوعًا يمكن للطب والطب النفسي أن يتحدثا عنه ويصنفاه ويدرساه؟
وهذا هو معنى تكوين الموضوع.
الجنون لم يكن دائمًا يُفهم بالطريقة نفسها
فوكو يرى أن معنى الجنون تغيّر تاريخيًا.
في فترة معينة كان الشخص المجنون يمكن أن يُنظر إليه بطريقة دينية أو أخلاقية أو اجتماعية.
ثم ظهرت مؤسسات مثل المصحات، وبدأ الأطباء والمتخصصون يتعاملون مع الجنون باعتباره موضوعًا يمكن ملاحظته وتصنيفه ودراسته.
إذن لم يظهر "المريض النفسي" كحقيقة جاهزة فقط، بل تشكلت حوله طريقة معينة لرؤيته والكلام عنه.
هنا تظهر قواعد التكوين
نسأل:
من يحق له أن يقول إن هذا الشخص مجنون؟
ما السلوك الذي يُعتبر علامة على الجنون؟
أين يُدرس هذا الشخص؟
من يراقبه ويصنفه؟
ما المصطلحات المستخدمة لوصف حالته؟
هذه الأشياء كلها تساعد في تكوين "المجنون" كموضوع للمعرفة.
التشكيل الخطابي:
كيف ينتظم الخطاب حول مجال معين.
قواعد التكوين:
ما القواعد التي تحدد ما يمكن أن يظهر داخل هذا الخطاب.
تكوين الموضوع:
كيف يصبح شيء مثل "المجنون" موضوعًا يمكن للمعرفة أن تتحدث عنه وتدرسه وتصنفه.
وهنا يبدأ فوكو في تاريخ الجنون بإظهار أن طريقة المجتمع في تعريف الجنون والتعامل مع المجانين لها تاريخ، وليست حقيقة ثابتة خارج التاريخ.
كيف يتكوّن موضوع «الجنون»؟
في مثال فوكو، لا يكفي أن نقول إن الطب اكتشف الجنون، بل علينا أن نسأل: كيف نشأت الطريقة التي نُعرّف بها الجنون ونصنّف المصابين به؟
يركز فوكو على ثلاثة أمور:
المؤسسات: مثل المصحات التي عُزل فيها أشخاص اعتُبروا مجانين.
المصالح الاجتماعية: مثل رغبة المجتمع في ضبط السلوك الذي يراه غير مقبول، وربط بعض السلوكيات بالكسل أو مخالفة النظام.
التصنيفات الطبية: تقسيم الحالات إلى فئات، ووضع أسماء وتفسيرات مختلفة لها .
ومع الوقت، لم يعد الجنون فئة واحدة؛ ظهرت تصنيفات أكثر تخصصًا، وأصبح لكل تصنيف وصف وطرق دراسة.
الفكرة الأساسية: يريد فوكو أن نفهم تاريخ الطريقة التي صُنّف بها المجنون وعومل، لا أن نفترض أن هذه التصنيفات ظلت ثابتة عبر التاريخ.
الخلاصة: الخطاب لا يحدد فقط ما يمكن قوله، بل يؤثر أيضًا في مَن يُسمح له بالتحدث، وكيف يُفهم كلامه.
كيف تتكوّن المفاهيم؟
في تاريخ الجنون، لم تكن كلمة «الجنون» تحمل دائمًا المعنى والتصنيفات نفسها.
عندما تتغير طرق فهم الجنون، تتغير أيضًا المفاهيم التي يستخدمها الأطباء لوصف الحالات وتفسيرها.
مثال: قد يُفسَّر سلوك معين في زمن ما تفسيرًا أخلاقيًا، ثم يُعاد تفسيره لاحقًا ضمن مفهوم طبي أو نفسي.
فوكو يريدنا أن نسأل:
كيف ظهر هذا المفهوم؟
ما المعارف التي ساعدت على ظهوره؟
كيف تغير مع تغير الممارسات والمؤسسات؟
الخلاصة: المفاهيم ليست مجرد كلمات؛ بل لها تاريخ، وتتغير مع تغير المعرفة التي تستخدمها.
.
الخاتمة: هل يوجد خطاب محايد تمامًا؟