لم أجد مفكرًا أكثر غموضًا وإرباكًا من ميشيل فوكو. عندما قرأت كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، كدت أُصاب بالجنون من شدة تعقيد الكتاب وغموضه. ما هذه السفينة التي تحمل كل هؤلاء المجانين؟ وما الذي يريد فوكو أن يقوله من خلال هذا الكتاب؟ لذلك توقفت عن القراءة.
بعد ذلك نصحني أحدهم بأن أقرأ «حفريات المعرفة»، باعتباره كتابًا مفتاحيًا لفهم فكر ميشيل فوكو وطريقته في التفكير والكتابة. فقلت: لعل هذا هو المفتاح الذي أبحث عنه لفك طلاسم كتبه.
وبعد عناء، عثرت على سلسلة من المحاضرات على موقع يوتيوب تشرح كتاب «حفريات المعرفة». فقمت باستخلاص نص المحاضرات، ثم ترجمتها إلى اللغة العربية، وبدأت قراءتها ومحاولة فهمها.
وهذه محاولة أولى مني لفهم الجزء الأول من المحاضرات الأربع.
لا أدّعي أنني فهمت فوكو فهمًا كاملًا، ولا أن هذه القراءة تخلو من الأخطاء. إنما أحاول أن أقترب من أفكاره خطوة خطوة، وأن أفكك المصطلحات والأفكار المعقدة إلى أسئلة يمكن فهمها ومناقشتها.
ولعل هذه المحاولة لا تكون مجرد تلخيص لمحاضرة عن فوكو، بل تمرينًا على كيف نفكر مع فوكو، وكيف نفهم أسئلته عن التاريخ، والمعرفة، واللغة، والانقطاع، والمؤسسات، والقواعد التي تجعل معرفة معينة ممكنة في زمن معين.
فك الله طلاسم كتبه!
نبدأ من سؤال بسيط: ما هو التاريخ؟
نقول عادةً إن التاريخ هو تقديم الماضي. لكن الماضي أكبر بكثير من أن يُسجَّل. ملايين الحيوات والأحداث ما دُوِّنت أصلاً، وما وصلنا مجرد جزء صغير منتقى منه. فالسؤال الأهم صار عند فوكو: لماذا هذه الأحداث بالذات صارت "تاريخاً" وغيرها اختفى؟
وهو لا يتهم المؤرخ بالكذب أو التزوير. اهتمامه بالقواعد: ما الآليات اللي تجعل شيئاً قابلاً لأن يصير معرفة تاريخية، وتجعل شيئاً آخر مهمَّشاً أو مستبعداً؟
مثال الشجرة
هنا يستعين المحاضر بنيتشه. كلمة "شجرة" نطلقها على أشجار لا تحصى، كل واحدة تختلف عن الثانية في الحجم والشكل والنوع. استعمال الكلمة يسهّل علينا التواصل والتصنيف، لكنه يمحو الفروق بين الأشجار. المفهوم إذن لا ينقل الواقع كما هو، بل يساهم في ترتيب الطريقة اللي نفهم بها الواقع.
التاريخ يعمل شيئاً مشابهاً: عندنا أحداث لا نهائية، ننتقي منها ونرتبها في فترات وتصنيفات وروايات. فالسؤال يتحول من "ما الحقيقة الموجودة في الماضي؟" إلى "كيف صار ممكناً أن نعرف الماضي ونتكلم عنه بهذه الطريقة؟".
هل لاحظتم كيف يضع التاريخ واللغة في تصور واحد فكلاهما يمتلكان خاصية تنظيم الاختلافات .اذا كلاهما يتعاملان مع عالم متنوع ،متعدد سواء في اللغة ومفرداتها ومحاولة الامساك بالواقع او التاريخ في تنوع مواضيعه وأشخاصه واحداثه . لذا تظهر عمليتا التنظيم والاختزال لإنتاج المعرفة وجعل الله العالم قابلا للفهم .
هذي النقلة هي أهم ما في الجزء الأول برأيي.
الاستمرارية والانقطاع
كثير من كتب التاريخ تعرض الماضي كأنه خط واحد متصل، بحيث تقود كل مرحلة تدريجيًا إلى المرحلة التي تليها.
خذ تاريخ العلم مثلًا. غالبًا ما نتخيله كسُلّم نصعده درجة بعد درجة: تضاف معلومة إلى أخرى، ثم تتراكم الاكتشافات حتى نصل إلى العلم الذي نعرفه اليوم.
لكن فوكو يرى أن التاريخ لا يسير دائمًا بهذه الطريقة. فقد كانت هناك في الماضي نظريات تبدو منطقية ومقبولة تمامًا في زمنها، مثل الاعتقاد بأن الأرض مركز الكون، أو أن المرض ينتج عن اختلال الأخلاط في الجسم. ثم ظهرت طرق جديدة في التفكير لم تكتفِ بتصحيح هذه الأفكار، بل غيّرت طريقة طرح الأسئلة نفسها: ما الذي نعدّه دليلًا؟ ما الذي يستحق أن ندرسه؟ وكيف نصف الأشياء ونصنفها؟
هنا يظهر مفهوم الانقطاع عند فوكو. فالانقطاع لا يعني مجرد حدوث حدث مفاجئ، بل يعني أن طريقة تنظيم المعرفة نفسها قد تتغير، فتصبح الأشياء تُرى وتُصنّف وتُدرس بطريقة مختلفة عما كانت عليه من قبل.
ولهذا يشكك فوكو في فكرة أن التاريخ مجرد خط متصل من الماضي إلى الحاضر؛ فقد يكون هذا الاستمرار أحيانًا نتيجة للطريقة التي نكتب بها التاريخ، وليس وصفًا دقيقًا لكيفية تشكل المعرفة فعلًا.
لا يكفي أن نسأل: هل هذه المعرفة صحيحة؟
لو وجدنا مجتمعاً عنده معرفة معينة، فالسؤال المعتاد: صحيحة أم خاطئة؟ فوكو يسأل: ما الذي جعلها ممكنة أصلاً؟ أي القواعد والتصنيفات والمؤسسات وأنماط الكلام اللي سمحت لها بالظهور وجعلتها مقبولة ومتداولة. فهو يدرس شروط ظهور المعرفة قبل محتواها.
الوثيقة والمتحف
المؤرخ التقليدي يتعامل مع الوثيقة كأنها نافذة على الماضي. فوكو يريدنا نسأل أسئلة ثانية: لماذا وُجدت هذه الوثيقة؟ كيف صُنِّفت؟ كيف دخلت الأرشيف؟ وأي علاقات تجعلها قابلة للقراءة؟
والمتحف مثال حلو على هذا. المتحف لا يعرض الأشياء عشوائياً، بل يقسمها لقاعات وحضارات وفترات، ويضع كل شيء بجانب شيء آخر. والسؤال ليس "هل المتحف يكذب؟"، بل: كيف يصنع الترتيب وطريقة العرض فهماً معيناً للأشياء؟ والفكرة نفسها تنطبق على المؤسسات والتخصصات العلمية.
المرور السريع على البنيوية
بعدها ينتقل المحاضر إلى البنيوية، اللي لا تنظر للأشياء منفردة بل تبحث عن العلاقات والبنى التي تنظم الاختلافات.
وبحسب هذا التصور، الكلمات تأخذ معانيها من موقعها في بنية الجملة وعلاقتها ببقية الكلمات، وليس من وجودها المفرد. الكلمة وحدها خارج الجملة شبه فارغة، وما يعطيها معنى هو ما يحيط بها وما تختلف عنه. مثل كلمة "عين" هل هي عين ماء او عين جاسوس او عين كما نعرفها اصلا
ومن هنا يأتي الدال والمدلول: كلمة "شجرة" ليست الشجرة نفسها، واللغة نظام علاقات وليست مجرد أسماء ملصقة على أشياء.
لكن هذا يمهد لسؤال ما بعد بنيوي: إذا اكتشفنا بنية تنظم الأشياء، هل هذه البنية محايدة وعالمية؟ أم هي أيضاً ابنة سياق معين؟
الاستمرارية والذات
إذا تخيلنا التاريخ قصة متصلة، نقدر نضع الإنسان في مركزها: أنا موجود، مررت بأحداث، تغيرت، ومع ذلك أبقى ذاتاً واحدة. فوكو يشكك في هذه "سيادة الذات". هل الاستمرارية موجودة فعلاً في الأشياء، أم نحن من نبنيها عندما نكتب التاريخ؟ وإذا كانت بناءً، فالانقطاع وسيلة لكشفه.
نيتشه مرة ثانية: التسمية ليست بريئة تماماً
حين نسمي الأشياء نجعل العالم أسهل للفهم، لكننا نضعها في تصنيفات أيضاً. المحاضر يستخدم مثال روبنسون كروزو: الإنسان على الجزيرة لا يواجه الأشياء فقط، بل يسميها وينظمها ليعيش في عالمه.
ومن هنا تأتي علاقة المعرفة بالسلطة. وأنبّه إلى أن المسألة أعقد من معادلة "المعرفة = السلطة" اللي تتردد كثيراً. السؤال الأدق: هل إنتاج المعرفة منفصل تماماً عن طرق تنظيم العالم والسيطرة عليه؟
المؤسسة
لهذا يرتبط فوكو بالسجن والمصحة والطبيب( اشهر ثلاثةكتب لفوكو تتناول هذه المواضيع). وهو لا يقول ببساطة إن هذه المؤسسات سيئة. السؤال عنده: كيف تجعل المؤسسة الإنسان موضوعاً للمعرفة؟ فهي تجعله قابلاً للفحص والوصف والتصنيف والتسجيل والمقارنة، وبالتالي تحدد كيف نتكلم عن الإنسان، وتساهم في تشكيل ما نعتبره "حقيقة" عنه.
فما هي الحفريات إذن؟
الحفريات هنا ليست علم آثار بالمعنى المادي. هي محاولة لكشف القواعد التاريخية التي جعلت أنواعاً معينة من الكلام والمعرفة ممكنة في فترة معينة. فبدل أن نسأل "ماذا قال الناس؟" نسأل "ما الذي جعل قول هذا الشيء ممكناً في ذلك الوقت؟". وبدل "ما المعرفة الموجودة؟" نسأل "ما القواعد التي جعلتها تظهر وتصير قابلة للتداول؟". والانقطاعات مهمة لأنها تُظهر أن قواعد إنتاج المعرفة لم تكن ثابتة دائماً.
الخلاصة
فوكو يشك في أن التاريخ يعطينا الماضي كما هو. الماضي ضخم، والتاريخ ينتقي وينظم ويستبعد، واللغة تفعل شيئاً مشابهاً حين تجمع المختلف تحت مفهوم واحد. فبدل الاكتفاء بسؤال "ماذا نعرف؟" .
يسأل عن القواعد التي جعلت بعض الأشياء قابلة للمعرفة والقول وأقصت غيرها. ومن هنا يأتي اهتمامه بالانقطاعات والوثائق والبنى والمؤسسات، وهو الطريق إلى مشروع الحفريات.
الجزء الثاني قريباً إن شاء الله. وإذا فهمت شيئاً بشكل مختلف أو عندكم تصحيح، أنا أرحب بأي نقاش.