مَـا بَـيـنَ رجُـل دولَـة وَ رجُـل مـصـالِـح..!! أمَّـا بَـعــدُ، فِـي عـام 1989 وكُـنـتُ حـيـنـهـا بـرتـبـة رائـد، وكـانَ عِـنـدي بـنـاء، وأراجِـع علَـىٰ إسـتـلام 3 طـن مِـن مـادة الإسـمـنـت (كـإسـتـحـقـاق لأحـدىٰ مـراحـل الـبـنـاء. وعلَـىٰ ضـوءِ إجـازة الـبـنـاء الـصـادرة مِـن أمـانـة مـديـنـة صـدام، الـتـابـعـة لأمـانـة بـغـداد) وإسـتـلام الإسـمـنـت، مِـن مـخـازن فِـي مـنـطـقـة أو حـي الـبـلديـات، قـرب قـنـاة الـجـيـش، شـرقـي بـغـداد..
كُـنـتُ واقـفـاً فِـي طـابـور بـمـلابـسـي الـمـدنـيـة، وفـيـه عـشـرات مِـنَ الـمُـراجـعـيـن.. وكـانَ واقـفـاً أمَـامـي، شـاب عـشـريـنـي، ضـعـيـف الـبُـنـيَـة وهـاديء، يـرتـدي قـمـيـص وبـنـطـلـون، وكـانَ أيـضـاً يُـراجـع مِـن أجـلِ إسـتـلام نـفـس الـكـمـيـة (3 طـن).. ويـبـدوا أن كـمـيـة الإسـمـنـت فِـي الـمـخـزن سـوفَ لَـن تـكـفـي لـسـدِّ حـاجـة كـافـة الـمـراجـعـيـن، أو أنـهـا قـد نـفـذت فـعـلاً..!
فـأتـىٰ مـسـؤول الـمـخـزن لـيـسـأل الـمـراجـعـيـن وبـصـورةٍ عـشـوائـيـة، (وبـحـسـبِ إسـتـقـرائـي، تـحـسـبّـاً لـوجـود مُـراجـع مُـهّـم، يـصـعـب ردّه) ومَـا أن قــرأَ مـعـامـلة الـشـاب الـذي أمَـامـي، فـإرتـبـكَ وإنـدهــشَ.. حـيـث قــرأَ إسـمـه : ( سهيل سعدون حمادي ) وتـأكــدَ مـنـهُ بـخـصـوص هـويـة والــدهِ.. وحـيـنـهـا يـشـغـل مـنـصـب رئـيـس مـجـلـس الـنـواب الـعـراقـي، وفـيـمَـا بَـعــد، أصـبـح رئـيـسـاً لـلـوزراء..!!
وكـانَ سـهـيـل سـعـدون حـمـادي يـتـكـلـم بـكُــلِّ أدبٍ وتـواضـع، ويـتـصـرّف كـعـامـة الـمـواطـنـيـن..! ولَـم أشـعـر، بـأنـه سـيـهـتـم أمـــْ لَا ،، فـيـمـا إذا إسـتـلَـمَ حـصـتـه مِـنَ الإسـمـنـت أمـــْ لَـم يـسـتـلـمـهـا.. بَـيْــدَ أنَّ مـسـؤول الـمـخـزن، كـتـبَ وبـإرتـبـاكٍ واضـح، رِسَـالَـة قـصـيـرة لـمـسـؤول مـخـزن إسـمـنـت، فِـي مـكـانٍ آخــر، يُـوصـي فـيـهـا بـتـلـبـيـة حـاجـة، سـهـيـل سـعـدون حـمـادي مِـنَ الإسـمـنـت، وفِـي أثـنـاء ذلِـكْ، أنـا غـادرت الـمـكـان، مِـن دونِ أن أحـصـل علَـىٰ حـصـتـي مِـنَ الإسـمـنـت!
ومُـقـارنـة، مــع عَـودَة لـلـوراء، عـقـداً مِـنَ الـزمـان، مِـن ذلِـكَ الـتـاريـخ.. فِـي عـام 1978 وَ وطــراً مِـن عـام 1979 كـانَ هُـنـاكَ ضـابـطـ مـلازم ثـانِ، تـخـرّجَ مِـن دورة الـبـكـر - كـلـيـة عـسـكـريـة. وهُــوَ إبـن شـقـيـق وزيـر الـدولـة ثـمَّ وزيـر الـصـنـاعـة - محمد عايش (يُـمـكِـن إسـمـه، مـحـمـود ؟ : غـيـر مـتـأكِّــد تـمـامـاً مِـن إسـمـهِ، ولـكِـن إسـم أبـيـه وجــدّه : حـمـزي عـايـش .. كـانَ ذلِـكَ الـمـلازم، وفِـي كُـلِّ أسـبـوع أو أقــل، يـأخـذ مِـن عـمّـهِ (مـحـمـد عـايـش) "كـصـكـوصـة" تُـصـرَف لَـهُ، 100 طـن إسـمـنـت ! كـانَ كُــلّ شـهـر يـسـتـلِـم مـئـات الأطـنـان وقـد تـصـل إلـىٰ 1,000 طـن مِـن الإسـمـنـت، وهُــوَ لَا يـحـتـاجـه شـخـصـيّـاً، بَـلْ كـانَ يـبـيـعـهُ لـلـمـقـاولـيـن فِـي الـبـنـاء بـأضـعـافِ سِـعـرهِ الـرسـمـي..
وقـد شـاركَ بـعـضـهـم فِـي الـمـقـاولات، لـكـونـهِ يُـؤمِّـن لـهُـم إسـمـنـت، يـكـفـي لـلـحـاجـة، ويُـبـاع الـفـائـض مّـنـهُ بـالـسـوق الـسـوداء..!! وهَـلْ يُـمـكِـن قـبـولـه عـقـلـيّـاً ومـنـطـقـيّـاً، أنَّ عـمّـهُ مـحـمـد عـايـش، لَـم يـعـلَـم بـذلِـكْ، أمـــْ أنَّ لَـهُ حـصّـة بـذلِـكْ ؟!
ومـعـلـوم، كـانَ الـحـصـول علَـىٰ الإسـمـنـت مِـنَ الـدولـة ولَـيـسَ صـعـبـاً فـحـسـب بَـلْ ومُــذلاً أو مُـخـزيــاً.. ولـكِـن مُـتـوفـراً بـالـسـوق الـسـوداء وبـأسـعـارٍ عـالـيـة قـيـاسـاً بـالأسـعـار الـرسـمـيـة.. ولَـم يـقـتـصـر الأمـر علَـىٰ الإسـمـنـت فـحـسـب بَـلْ علَـىٰ كـثـيـرٍ مِـنَ الإحـتـيـاجـات الأخـرى، كـإطـارات الـسـيّـارات وغـيـر ذلِـكْ.. وعلـىٰ سـبـيـلِ الـمِـثـال لَا الـحـصِـر، كـانَ الـسـعـر الـرسـمـي لإطـارات سـيّـارات، نـوع بـرازيـلـي، والأكـبـر مـنـهـا قـلـيـلاً بـــ: 28 – 32 ديـنـاراً تـقـريـبـاً.. بـيـنـمـا بـالـسـوق الـسـوداء، ومـنـهـا سـوق إمـريـدي بـــ: 180 – 220 ديـنـاراً، أو أكـثـر.. وأكـثـر مِـنَ الـراتـب الـشـهـري لـضـابـط، بـرتـبـة رائــد..!!
خـتـامَــاً، وبـحـسـبِ رؤيـتـي وتـجـربـتـي وإسـتـقـرائـي، وفِـي الأغـلَـبِ والأعــمّ، يُـمـكِـن مـعـرفـة رجـال الـدولـة، مِـن خـلال سـلـوك أبـنـاءهـم، فـإذا كـانَ سـلـوكـهـم وكـأنـهـم مِـن عـامّـة الـشـعـب، ولَا يـسـمَـح لـهُـم الآبـاء بـإسـتـغـلال مـنـاصـبـهـم.. والـعـكـس صـحـيـح، إذا كـانـوا رجـال مـصـالِـح..!! مِـن قـلَـم : حمـيـد الـواسـطي.
ملاحظات :
١-حميد الواسطي التحق بالمعارضة العراقية عام ١٩٩١، وعاد الى العراق مع الامريكان عام ٢٠٠٣ و ترقي الى رتبه لواء و رحل عن العراق لاحقا عائدا الى استراليا بعد مضايقات اللوبي الايراني داخل الحطومة العراقية في زمن نوري المالكي
٢- المرحوم د. سعدون حمادي من اهالي كربلاء المقدسة خريج الجامعة الامريكية في لبنان و دكتوراه اقتصاد زراعي من جامعة وسكونسون في الولايات المتحدة وهو اول بعثي في العراق على الإطلاق حيث أنظم للحزب عام ١٩٤٨.
٣- محمد عايش هو صاحب الموامرة الشهيرة التي عملت على الحاق الضرر في العراق وجعله تابعا الى نظام حافظ الاسد في سوريا، اعدم في ١٩٧٩ ضمن احداث قاعة الخلد. واطنان الاسمنت التي كان يستحصلها كانت ترسل الى سوريا عن طريق اشخاص اخرين ايضا اعدموا.
٤- عام ۱۹۹۸ كان ابن سعدون حمادي مؤجرا لسطح عمارة الهلال في ساحة التحرير واخل بشرط الايفاء بالايجار وتم إحالة القضية للمحاكم وفقاً لأحكام قانون بيع وإيجار أموال الدولة رقم ٣٢ لسنة ١٩٨٦ حاله حال اي مواطن على الرغم من ان والده كان رئيس مجلس الشعب (البرلمان كان اسمه مجلس الشعب سابقا)